(2018)
كان الجو خانقًا في تلك الشقة الباردة.إسكندر، ببدلة سوداء وربطة عنق ضيقة، واقف عند المكتب، يتصفح الملفات كما لو كانت أرقامًا بلا بشر.
في الزاوية، ماهر...نحيل الجسد، صامت الملامح، يضغط على أصابعه حتى ابيضّت.
ـ قلت لك تنفّذ العرض كما اتفقنا... لماذا غيرت صيغة الملف؟
قالها بهدوء... هدوء أثقل من الصراخ: أنا... كنت خائفًا أن أخطئ في الأرقام، فاختصرت—
ـ تختصر؟
ارتفع صوته فجأة، ثم عاد إلى الحدة الجافة: أنت تتنفس لأنك محظوظ، تعيش هنا، تأكل وتشرب وتلبس... لأنك محسوب عليّ. لا تنسَ... أنا الذي جعلت اسمك في الأوراق، أنا الذي حميت ظهرك حين تخلى عنك الجميع.إن قلت لك شيئًا... تقوله كما هو.
هز ماهر رأسه بسرعة، وعيناه على الأرض.
ـ أريد رجالًا... لا أطفالًا يتهربون من المسؤولية.
تغيّر صوته فجأة إلى طبقة منخفضة: لكني أراهن عليك... أرى فيك مشروع رجل لا يهزه شيء، لكن هناك شرط واحد...
اقترب حتى أصبح على بُعد أنفاس: أن تقص مشاعرك كما تقص أظافرك... تقطعها، ترميها، تنساها.
ربّت على كتفه: تريد أن تكون قويًا؟ لا تدع أحدًا يسمع ألمك.كل ما في داخلك... احبسه، ودعه يتحول إلى فولاذ.
ماهر لم يرد... لكنه صدّق.صدّق أن القوة تبدأ من الصمت، وأن الضعف... جريمة.
--------------------------------
سنوات العيش مع إسكندر بدأت كحلّ مؤقت.قالوا: "فقط فترة قصيرة... حتى تُرتَّب الأوراق."
لكن القصير طال،والأوراق احترقت قبل أن تُقرأ.
إسكندر كان أنيقًا، صوته رخيم، عيناه تلمعان بالثقة.من يراه يظنه رجل أعمال محترم... لكنه كان محتالًا محترفًا.
وماهر... كان وسيلته.
في البداية، عامله بلطف مصطنع: أنت ذكي... لكنك تحتاج إلى توجيه.
وماهر الصغير الذي يفتقد الاهتمام، صدّق.
بعد شهر، ظهر الوجه الآخر.
كل خطأ... يتحول إلى درس.
وكل درس... إلى عقوبة.
كسر كوبًا مرة...أمسكه إسكندر من ذراعه بقسوة: أتريد أن أجعلك رجلًا... أم حشرة؟ اختر.
تأخّر مرة في جداول بيانات كان يستغله فيها...سحبه إلى المكتب، وأشار بإصبعه على الطاولة: من لا يمسك زمام العمل... يضيع.
أحيانًا يتجاهله تمامًا، وأحيانًا يمنحه مكافأة تافهة — قطعة شوكولا، سماعة رخيصة، ساعة بلا بطارية.
تعلّم ماهر بسرعة أن التقدير لا يُمنح بسهولة.
أن الحب يعني إنجاز مهمة
.صار يخاف من وقع الأقدام... ومن الخطأ... ومن نفسه.
مع مرور الوقت...صار يرى مشاعره عبئًا لا قيمة له.
حين يحزن... يسكت.
حين يشتاق... يكتب الاسم ويمحوه.
حين يشتد عليه الليل... يحتضن وسادته ولا يبكي.
وهكذا...أصبح الصمت صديقه، وصديقه... سجّانه.
(يتبع)
ملاحظات الكاتب
تأكيد الدعم
التعليقات
أضف تعليقًا